محمد محمد أبو ليلة

40

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

بعدهم من المؤمنين إلى يومنا هذا ؛ وحتى قيام الساعة . وهذا تأكيد لحفظ اللّه للقرآن ، فاللّه قد ائتمن عليه ملاكا لا تعتوره الآفات البشرية من الوهم ، والخطأ ، والنسيان ؛ ونبيا صادقا كريما ، ثابت القلب ، صافي الذهن متجردا من شواغل الدنيا وصوارفها ، محتسبا وقته كله للّه تعالى . موقف آخر من مواقف الكفار ضد القرآن تحكيه هذه الآيات : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ( سبأ : 31 ) قالوا ذلك عن القرآن ؛ والقرآن لم يكتمل نزوله بعد ؛ إذ القرآن يطلق على الجزء ، كما يطلق على الكل ، وذلك كما أشرنا إليه آنفا . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 ) ( فصلت : 26 ) ، دعوة إلى عدم توقير القرآن ، وتحفيز للعامة على تعييبه وتحقير شأنه ، ابتغاء الغلبة ؛ وهذا الموقف في حد ذاته ، يحكى ضعف الكفار وعجزهم عن معارضة القرآن ، إذ لو أمكنهم ذلك ، لجمعوا له قواهم ، وجندوا من أجله طاقاتهم الأدبية والفكرية ، وشجعوا أهل العلم بينهم على معارضته وتحديه ، ولم يلجئوا إلى هذه الوسيلة السلبية العبثية وهي صرف الناس عن الاستماع إليه ، والتشويش عليه . روى البخاري عن ابن عباس رضى اللّه عنهما : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم بمكة إذا صلى جهر بالقراءة ، فكان المشركون يطردون عنه الناس ، وقالوا : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 ) ( فصلت : 26 ) ؛ وإذا أخفى قراءته لم يسمع ذلك من يشتهى أن يسمعه فأنزل اللّه تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ( 110 ) ( الإسراء : 110 ) « 1 » . في هذا الحديث دلالة على معرفة قريش بالقرآن مبكرا . وهناك أخبار كثيرة تفيد أن القرآن كان معروفا هكذا باسمه ، من بداية الوحي بين المسلمين والكفار على حدّ سواء . ورد ذكر الفعل " قرأ " الذي اشتق منه القرآن ، بصيغ مختلفة ، سبع عشرة مرة في الذكر الحكيم ؛ اثنتا عشرة منها جاءت في قرينة قراءة القرآن بخاصة ، على سبيل المثال :

--> ( 1 ) البخاري " خلق أفعال العباد بعقائد السلف " ص 173 .